ابن الجوزي

203

صيد الخاطر

كالعسل ، ويستعذب له الماء ، ويفرش له في الظل ، ولا ينكر ذلك . ولم يسمع عنه بمثل ما حدث بعده من جهال المتصوفة والمتزهدين ، من منع النفس شهواتها على الاطلاق . فقد كان يأكل البطيخ بالرطب ، ويقبل ، ويمص اللسان ، ويطلب المستحسنات . فأما أكل خبز الشعير ووزن المأكول ، وتجفيف البدن ، وهجر كل مشتهى ، فإنه تعذيب للنفس ، وهدم للبدن ، لا يقتضيه عقل ، ولا يمدحه شرع . وإنما اقتنع أقوام بالقليل ، لأسباب مثل أن حدثت شبهة فتقللوا ، أو اختلط طعام بطعام فتورعوا . ثم كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوفي العبادة حقها ، بقيام الليل والاجتهاد في الذكر . فعليك بطريقته التي هي أكمل الطرق ، وبشرعته التي لا شوب فيها ، ودع حديث فلان وفلان من الزهاد ، واحمل أمرهم على أحسن محمل ، وأقم لهم الاعذار مهما قدرت ، فإن لم تجد عذرا فهم محجوجون بفعله ، إذ هو قدوة الخلق وسيد العقلاء . وهل فسد الناس الا بالانحراف عن الشريعة . ولقد حدثت آفات من المتصوفة والمتزهدين ، خرقوا بها شبكة الشريعة ، وعبروا ، فمنهم من يدعي المحبة والشوق ، ولا يعرف المحبوب ، فتراه يصيح ويستغيث ويمزق ثيابه ويخرج عن حد الشرع بدعواه ومضمونها . ومنهم من حمل على نفسه بالجوع والصوم الدائم ، وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال لعبد اللّه بن عمر : صم يوما وأفطر يوما . فقال : أريد أفضل من ذلك . فقال : لا أفضل . وفيهم من خرج إلى السياحة فأفات نفسه الجماعة ، وفيهم من دفن كتب العلم وقعد يصلي ويصوم ، ولم يعلم أن دفنها خطأ قبيح ، لان النفس تغفل وتحتاج إلى التذكير في كل وقت ، ونعم المذكر كتب العلم . وإنما دخل إبليس على كل قوم منهم من حيث قدر ، وكان مقصوده بدفن الكتب اطفاء المصباح ، ليسير العابد في الظلمة . وما أحسن ما قال بعض العلماء لرجل سأله فقال : أريد أن أمضي إلى جبل الآكام ، فقال : هذه ( هو كله ) وهي كلمة عامية معناها حب البطالة . وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش ، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس ، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة ، واتباع جنازة ، وعيادة مريض ، الا انها حالة الجبناء ، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون . وهي مقامات الأنبياء عليهم السلام .